هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
اقتصاد وأعمال

عندما يصبح العمل مخدرًا لإلغاء الذات، والليل مرآة الصدمة

عندما يصبح العمل مخدرًا لإلغاء الذات، والليل مرآة الصدمة

عندما يصبح العمل مخدرًا لإلغاء الذات، والليل مرآة الصدمة
كتب : كريم ناجح الجمعة، ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٥٧
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

يمضي النهار بسرعته الصاخبة؛ اجتماعات متلاحقة، إشعارات لا تتوقف، ومهام تتراكم لتسرق الساعات واحدة تلو الأخرى. في خضم هذا الاندماج الكامل مع الإيقاع المهني، يشعر الإنسان بنوع من "النشوة المزيفة" والإنجاز المتواصل. لكن، ما إن تغرب الشمس ويهدأ ضجيج العالم، حتى ينسحب النهار ويحلّ الليل بكل صمته.. وهنا تحديدًا تقع الحقيقة.

الليل ليس مجرد وقت للراحة، بل هو "المختبر النفسي" الذي يواجه فيه الإنسان ذاته. فالليل "فضّاح"؛ يكسر الستار الهش الذي نبنيه طوال اليوم، ويكشف عرُي حياتنا الشخصية: هل نملك بالفعل حياة خارج حدود المكاتب والشاشات، أم أننا مجردأرقام في منظومة عمل لا تتوقف؟

يكشف التحليل النفسي أن الانغمار القهري في العمل ليس دائمًا دليلًا على الشغف أو الطموح، بل قد يكون حيلة دفاعية يمارسها العقل للهرب من الفراغ الداخلي.

في علم النفس، تُعرف هذه الحالة بـ "الإدمان السلوكي" (Behavioral Addiction) أو ما يُطلق عليه مصطلح Workaholism (إدمان العمل). تمامًا كمدمن المواد المخدرة الذي يهرب من آلامه الواقعية بجرعة مضاعفة، يهرب مدمن العمل من مواجهة هشاشة حياته الشخصية أو اضطراب علاقاته بالانغماس في ساعات عمل أطول.

دورة الإدمان النفسية: عندما يكتشف الإنسان في لحظات الصمت الليلية أن حياته الاجتماعية أو العاطفية باتت خاوية، يصاب بنوع من "القلق الوجودي". وبدلاً من علاج الأزمة وإعادة بناء حياته الشخصية، يلجأ إلى السلوك التعويضي الأكثر إراحة لعقله: المزيد من العمل. فالعمل يمنحه مكافآت فورية (تقدير، إنجاز، ترقيات) تغطي مؤقتًا على صوت الفراغ الداخلي، تمامًا كما يفعل المخدر.

من زاوية علم الاجتماع، يُشرّح الفيلسوف والناقد الاجتماعي بيونغ-شول هان هذه الظاهرة في نظريته الشهيرة "مجتمعالإيجابية والإرهاق" (The Burnout Society). يرى "هان" أن المجتمعات الحديثة تحولت من مجتمعات الانضباط إلى مجتمعات "الإنجاز القسري"، حيث يمارس الفرد الاستغلال الذاتي تحت شعار "يمكنك فعل كل شيء".

في هذا السياق الاجتماعي:

1. تأكل الذات: يتماهى الفرد بالكامل مع دوره المهني، مستبدلاً تعريفه الإنساني بذاته (من أنا؟) بتعريفه الوظيفي (ماذا أعمل؟).

2. عزل الروابط الاجتماعية: تتراجع العلاقات الأسرية والصداقات الحقيقية لأنها تتطلب وقتًا وجهدًا عاطفيًا لا يملكه الفرد المُرهق، فيصبح الليل مواجهة ثقيلة مع العزلة التي صنعها بنفسه.

تستمر هذه الدائرة المغلقة — عمل مكثف، فراغ ليلي، هروب إلى عمل أكبر — حتى يرتطم الفرد بالحائط المسدود. تتجلى هذه اللحظة في حدث جلل لا يمكن تجاهله أو التغطية عليه بمهام العمل:

أزمة صحية مفاجئة،

انهيار علاقة زوجية أو أسرية،

أو فقدان شخص قريب دون أن نمنحه الوقت الكافي أثناء حياته.

في هذه اللحظة بالذات، تتهاوى كل المبررات. يرى الإنسان الحقيقة "رأي العين" دون زيف: أن المؤسسات تستبدل موظفيها في أيام، بينما السنون التي ضاعت من العمر والعلاقات التي تدمرت لا يمكن استرجاعها. تكون "الصدمة الكبرى" هنا هي الاستفاقة المؤلمة على واقع أن النهار كان يخدعه، وأن الليل كان يخبره بالحقيقة طوال الوقت.

إن حماية الذات من هذا المصيد تنطلق من الإدراك المسبق قبل حدوث الفاجعة، وذلك عبر خطوات عملية تُعيد التوازن بين الحياة المهنية والشخصية:

فصل الهوية عن الوظيفية: العمل جزء من حياتك وليس كينونتك الكاملة. نجاحك المهني لا يعوض فشلك الإنساني أو العاطفي.

إعادة الاعتبار لـ "الزمن الشخصي": اقتطاع وقت مقدس يوميًا للعائلة، الهوايات، والعلاقات، دون السماح لرسائل العمل بإختراقه.

شجاعة مواجهة الصمت: عدم الخوف من لحظات الليل الهادئة، واستغلالها في التأمل والترميم النفسي بدلاً من الهرب منها إلى الشاشات وملفات العمل.

النهار قد يُلبيك بضجيجه وألقابه ومهامه، لكن الليل يبقى دائمًا مرآتك الحقيقية. لا تنتظر أن تصدمك الحياة بحدث قاسٍ لتعرف قيمة من حولك وقيمة نفسك. وازن حياتك اليوم.. قبل أن يحلّ ليلٌ لا تجد فيه سوى الصدى.

آخر الأخبار
اعلن معنا